محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
50
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
يشهده ؛ لأن الشاهد غنيّ بوضوح الشهود عن أن يحتاج إلى دليل ، فتكون المعرفة باعتبار توصيل الوسائل إليها كسبية ، ثم تعود إلى نهايتها ضرورية وإذا كان من الكائنات ما هو غني بوضوحه عن إقامة دليل فالمكوّن أولى بغناه عن الدليل منها » ثم قال : « ومن أعجب العجب أن تكون الكائنات موصّلة إليه ، فليت شعري هل لها وجود معه حتى توصّل إليه ؟ أو هل لها من الوضوح ما ليس له حتى تكون هي المظهرة له ؟ وإن كانت الكائنات موصّلة إليه فليس ذلك من حيث ذاتها ، لكن هو الذي ولّاها رتبة التوصيل فوصلت إليه فما وصّل إليه غير إلهيّته ولكن الحكيم هو واضع الأسباب ، وهي لمن وقف عندها ولم تنفذ قدرته عين الحجاب » . لينفق ذو سعة من سعته : الواصلون إليه ، ومن قدر عليه رزقه السائرون إليه . هذه إشارة مليحة إلى حال الفريقين ، فالواصلون إلى اللّه تعالى لنا خرجوا من سجن رؤية الأغيار إلى فضاء التوحيد وكمال الاستبصار اتسعت مسافة نظرهم فأنفقوا من سعتهم وتصرّفوا في عوالمهم كيف شاءوا ، والسالكون إليه مقدور عليهم في أرزاق العلوم والفهوم ، محبوسون في مضيق الخيالات والرسوم ، ينفقون ممّا آتاهم اللّه من الرزق المعلوم المقدّر المضيّق . اهتدى الراحلون إليه بأنوار التوجه ، والواصلون لهم أنوار المواجهة ، فالأولون للأنوار ، وهؤلاء الأنوار لهم ؛ لأنهم للّه ، لا لشيء دونه قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ . أنوار التوجّه : هو ما صدر منهم إلى اللّه تعالى من عبادات ومعاملات ومكابدات ومجاهدات . وأنوار المواجهة : هو ما صدر من اللّه لهم من تعرّف وتقرّب وتودّد وتحبّب فالأولون عبيد الأنوار ، لوجود حاجتهم إليها في الوصول إلى مقصودهم . والآخرون الأنوار لهم ؛ لوجود غناهم عنها بربّهم ، فهم للّه لا لشيء دونه ، وسيأتي هذا المعنى عند قوله : « أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكوّن ، فإذا شهدته كانت الأكوان معك » . قال اللّه تعالى : قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ [ الأنعام : 91 ] أفراد التوحيد بعدم ملاحظة الأغيار هو حق اليقين ورؤية ما سوى اللّه خوض ولعب ، وهما من صفات الكاذبين والمنافقين ، قال اللّه عزّ وجل إخبارا عنهم : وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ
--> - ( كشف الظنون 2 / 1554 ) .